منبر الشعب
جريدة مغربية جامعة ملتزمة ساخرة مستقلة

 

          

الصفحة الرئيسية

 

 

 













 

        

الغاء وتفقير تاء التأنيث

أحوال المرأة في سياق المجتمع الأبوي

 

سعيد الحبشي /   المغرب

 

تقديم:

بدأ المؤرخون المهتمون بنشوء وتطور السلوك البشري، خلال العقود الاخيرة، في الاهتمام بموضوع المرأة من حيث انه ظل جزءا مسكوتا عنه في التاريخ ومصادره، على رغم الكم الهائل من الكتابات التي تناولت المرأة في كل اوضاعها أوتلك التي اتخذت  من موضوع النساء  مادة لممارسة الاسقاط،  والتي ثبت انها  كتابات لم تستطع رصد ملامح المرأة بشكل حقيقي لانها في المجمل كتابات ذكورية مرتبطة بسلطة وقيم المجتمع الأبوي ماعدا الحالات الناذرة جدا التي تحدثت فيها المراة عن نفسها بشكل مباشر ودون وساطة. ما يجعل أي قراءة لتاريخ المراة مجرد استعراض لصورة نساء كما تجلت في مخيلة الرجل عبر حقب الزمان. وتجدر الاشارة الى ان من بين اللحظات القليلة هذه، ما دونته سيمون دو بوفوار في كتابها ٍٍٍٍ" الجنس الثاني" وكان  كفيلا باثارة شهية الحفر  في هذا الموضوع لدى الباحثين، هذا الاهتمام الذى ظل منذ ذلك الحين يؤشر على التحولات التي صار يشهدها المجتمع البشري المعاصر.

 

رحلة الألف ميل

 

انحصر او اقتصر دور المرأة لأزمان طويلة على انجاب الاطفال ورعايتهم وادارة شؤون البيت وهي أعمال رغم اهميتها لا تذكر في احتساب الناتج الخام لأي مجتمع،  باعتباره عملا مغتربا حسب التعبير الماركسي، فعلى مر الأزمان وجد دائما " الذين يصنعون القوانين واللواتي تصنعن التقاليد وانماط الحياة، الذين لهم كل الحقوق واللواتي عليهن كل الواجبات"

هذا النمودج الاجتماعي الذي نتج عنه اختلال جعل المرأة بمثابة التابع وأقصاها من دخول معترك الصراع السياسي كعنصر راشد

ففي عالم تسوده الصراعات الاجتماعية وتميزه الفوارق الطبقية يصبح للحريات دور رئيسي في مجابهة الفقر ومواجهة تردي الأوضاع، فالحريات هي أهم هدف يتوخاه أي تطور اجتماعي، كما يمكن اعتباره  أداة أساسية لأي تطور اجتماعي ممكن، ودون أن يشكل ذلك أدنى تعارض بين الحرية بالمفهوم الاقتصادي و الحرية على المستوى السياسي لانهما يتداخلان ليشكلان معا جناحين للدفع باتجاه ازدهار المجتمعات وتفتح ملكات الافراد، بالنسبة للمرأة خاصة التي يعتبر تحررها عنوانا لتغير اجتماعي عميق.

 فالمرأة تولد حرة ومساوية في الحقوق لشقيقها الرجل وإن غاية أي نظام سياسي أن يرعاهما على قدم المساواة ويوفر لهما الأمن والحرية بكل شروطها...حرية الوقوف في وجه الاضطهاد وحرية تأسيس مجتمع أكثر عدلا وتوازنا يعطي لكل ذي حق حقه دون تمييز وبشكل يتوافق مع قوانين الطبيعة وقواعد المنطق، حيث يصبح القانون الذي ليس أكثر من تعبير عن الارادة العامة تعبيرا عن إرادتهما معا ويقفان متساويين أمامه. إنه حلم ظل بعيد المنال ويمكن اعتبار ما تحقق منذ المؤتمر النسائي الثالث بنيروبي، والى حد الان مرورا بمحطة بيكن 95 التي وضعت النقط على الحروف بخصوص سؤال مركزي عن ماهية المشاكل التي تعوق تطور وضعية النساء والذي اعتبر انتصارا للمرأة بكل المقاييس لكنه قبل كل شيء لم يشكل  سوى خطوة في مسافة الالف ميل.

 إن مسيرة النساء التي قطعت عدة أشواط لحد الآن وسجلت عدة محطات في مجمل دول العالم لا زال يتعين عليها بدل المزيد في اتجاه انتزاع ما بقي مهضوما من حقوقها الطبيعية، الاجتماعية والسياسية، من أجل مجتمعات اكثر عدالة وتوازنا. من حيث  يبدو الآن أن المعركة من أجل  المساواة، توضحت معالمها على الرغم من كونها لازالت شاقة و طويلة لان المسألة اكبر بكثير من منصب أو شعار باعتبار ارتباطها بهوية المرأة ووجودها بالاساس وارتباطها كذلك بنسق اجتماعي يعاني من  خلل او نصف شلل عضوي، فضلا عن كونها معركة نضال من أجل حق طبيعي وكوني، يتعين على المرأة ان تحذر خلاله من أي استبدال لمفهوم "الحقوق الكونية" بمفهوم "الحقوق المتعارف عليها عالميا" لأنه  شكلا لا يعني اكثر من مجرد تغيير اصطلاحي، لكنه ينطوي على  مساس بالجوهر الذي يصبح تعبيرا عن مفهوم لحقوق "مقبولة اجتماعيا" وهي هامش ضيق بطبيعة الحال، في وقت وجب فيه توسيع هامش هذه الحقوق، خصوصا وان حقوق الانسان لا يمكن اعتبارها حقوقا خاصة بالرجال، وكأن مسألة التحرر الاجتماعي بالنسبة للجنسين تسير بشكل متقاطع ومتضاد. صحيح أن تطور الوضعين الاجتماعي والاعتباري للمرأة ظلا رهينين بقرارات المؤسسات السياسية التي يحتكرها الرجال وان هذا التطور نفسه ظلت تتدخل فيه العديد من العوامل كالدين والحضارة والأنساق الثقافية ما يجعل من تاريخ المرأة مجرد تأريخ لأوضاع ومراتب فرضت عليها فرضا وتم تفصيلها وهندستها ليس على مقاسها وإنما على مقاس ما هو مقبول اجتماعيا، وعليه لم يجعلنا التاريخ نتفحص صورة خالصة وحقيقية عن بلقيس، كليوباترا او زانوبيا  بقدرما نقل الينا صورة  لكائن مهمش، تابع  ومحكوم بقيم ما هو <<مقبول اجتماعيا».

الفقر بملامح امرأة

 بالرغم من ان النساء يشكلن نصف سكان الارض وثلث اليد العاملة فان عائداتهن لا تتجاوز 10 بالمائة من مجموع العائدات، ومن مجموع الممتلكات فان نصيب النساء ينحصر في واحد في المائة، وان من بين كل ثلاثة اميين امرأتان.وبالرغم كذلك من كونهن يشكلن نصف عدد الناخبين تقريبا لا تظفرالنساء الا على10 بالمائة من المقاعد داخل البرلمانات وعلى مناصب وزارية لا تتجاوز 6 بالمائة  هذا على الصعيد العالمي، لأن الحيف الممارس ضد النساء يتم تبريره في اغلب الاحيان بالاختلافات الفيسيولوجية في حين انه  يكتسي ابعادا تاريخية تتداخل فيها عوامل متعددة يختلط فيها الاجتماعي والاقتصادي، السياسي والثقافي.

فمجمل الاختلافات الموجودة بين الشمال والجنوب بين نمط العيش القروي والحضري بين الاغنياء والفقراء تنعكس بشكل واضح على وضعية المرأة ، فقد ذهب تقرير اعدته الامم المتحدة الى ان عدد النساء في الوسط القروي قد تضاعف خلال العقود الاخيرة  وان مليار فقير في العالم القروي ستون في المائة منهم نساء 40 في المائة من بينهن أميات في افريقيا وبعض دول اسيا خصوصا. وقد ترتفع الامية بين النساء في بعض الدول لتصل 98 في المائة في بوركينافاصو او 93,4 في المائة في النيبال و 89  في المائة  في باكستان هذه النسب التي تجد ما يبررها في تردي الاوضاع من ارتفاع في تكلفة المعيشة  وانخفاض في المداخيل مقابل صعوبة في ولوج التعليم و التطبيب وشح فرص الشغل مقابل ازدهار القطاع غير المهيكل الذي تحوز  فيه النساء نسبة جذ مرتفعة، كل هذه العوامل مجتمعة ولا شك، تجعل الفقر عبر العالم يتجلى في صورة امرأة.

ان التمرس على الحقوق يمكنه ان يمنح للمرأة حرية المبادرة والمشاركة في اتخاذ القرار على المستوى المدني ما يؤهلهالايجاد تعريف "أنثوي" لشكل المجتمع والعلاقات وتحديد مفهوم المساواة التي تطمح اليها. هذه الحقوق ايضا يمكنها ان تجعلنا نقترب اكثر مما ظلت المراة تفكر فيه في صمت.

فالمسألة لا تتعلق ابدا بالمكتسب او بما هو فطري بما هو ذكوري او أنثوي بقدر ما ترتبط ببناء مجتمع يفرض وجود مقاربتين ونظرتين مختلفتين للأحداث وللواقع قد تختلفان نعم، لكن في اطار من التكامل دون استبداد أو الغاء.

 


 


يكتبها
حسن أبوعقيل

لا يسعنا إلا أن ننوه بالزميل سعيد الحبشي بمقالته القيمة والتي نعتبرها مرجعا أساسيا يرصد الصورة الحقيقية للمرأة
مع فائق التقدير


 

   
 

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة منبر الشعب