مغاربة ليسوا كالآخرين
لست اعرف إن كان كل من الشرقي أضريس أو
حسنى بن سليمان قد شاهدا فيلم بابل أم لا. و إذا كانا لم يشاهداه بعد
فإنني ادعوهما إلى إرسال احد معاونيهما إلى اقرب سويقة لكي يشتري لهما
نسختين مقرصنتين من الفيلم المرشح لسبع جوائز،والذي تم تصويره في نواحي
ورزازات.
لقد اظهر الفيلم حقيقة تعامل بعض رجال
الدرك الملكي و عناصر الشرطة مع المواطنين القرويين العزل المرميين في
اعالى الجبال. وكشف بكثير من الواقعية عن الاحتقار العميق الذي يكنه بعض
رجال السلطة لساكني المغرب الغير النافع.
والحقيقة أن فيلم بابل الذي يشاهده هذه
الأيام الملايين من المواطنين عبر ربوع العالم يقدم صورة حقيقية خالية من
مساحيق ماكياج عادل الدويرى الذي يدر درها على صورة المغرب العميق الذي
يتسابق لبيعه للسياح في الملتقيات السياحية المحلية و العالمية. حتى انه
من كثرة سفرياته ترك بعض الأطباء حاصلين في مطار الدار البيضاء الأسبوع
الماضي بعد أن أخد طائرتهم التي كانت متوجهة إلى وجدة وحول اتجاهها إلى
اكادير على شرف سعادته..
و يحكي الفيلم الذي يلعب بطولته براد بيت
وكات بلا نشيت قصة زوجين أتيا إلى المغرب ليقضيا إجازة في الجنوب. لكن
هذه الرحلة ستتحول فجأة إلى كابوس مخيف. خصوصا عندما سيحاول احد أبناء
قرية جبلية تجريب بندقية صيد اشتراها والده من جاره الذي أهداها إليه
بدوره سائح ياباني جاء إلى المغرب لممارسة هواية الصيد. فلكي يبيع الجار
بندقيته لجاره قال له أنها تصيب الهدف على بعد أكثر من عشر كيلومترات. و
أنها ستريحه من الذئاب التي تفترس قطيع ماعزه. ترك الأب البندقية في عهدة
طفليه و نصحهما باقتناص عدد أكبر من الذئاب. لكن الطفلين عوض أن يقتنصا
الذئاب راحا يجربان إطلاق الرصاص على الحجارة، و لكي يجربا إلى أي مدى
يمكن أن تصل الرصاصة صوب احدهما البندقية نحو حافلة كانت تتقدم ببطء فوق
الطريق الجبلية الشبيهة بثعبان بلا نهاية. وهنا ستخترق الرصاصة زجاج
النافدة و تصيب زوجة براد بيت في العنق،و سيبلل قميصها بالدم و ستعود
الحافلة فوضى عارمة وسط السياح.
الفيلم إدانة صريحة لوزارة الصحة، لأن
القرية التي توقفت فيها الحافلة لتقديم النجدة لزوجة البطل لا يوجد بها
مستوصف. مثلها مثل الكثير من القرى المتناثرة في ربوع المملكة، حيث يقطن
خمسة عشر مليون مغربي. و قد نجح براد بيت إلى حد كبير في تجسيد حالة ذلك
الزوج الذي يواجه العجز في أقصى صورة أمام زوجته التي تنزف في غياب تام
لأية مساعدة طبية. اللهم ذلك السبسي الذي قدمته المرأة العجوز التي
استضافته في بيتها إلى الزوجة الجريحة،فخف ألمها و هي تنفث دخانه المخدر
بحذر.
عندما كانت السائحة تنزف أمام أنظار
زوجها العاجز عن إنقاذها في ذلك الخلاء البعيد بمئات الكيلومترات عن
المدينة،كان رجال الدرك و الأمن يبحثون عن الإرهابي الطي أطلق الرصاص على
حافلة للسياح. فالخبر تناقلته وسائل الإعلام وحالة الاستنفار على أشدها.
وهنا سيقدم المخرج أليخاندرو غونزاليس واحدة من الصور الواقعية لتعامل
السلطة مع المواطنين كمتهمين إلى أن تثبت براءتهم. الركل والصفع وتقييد
النساء وتهديد الرجال والنساء بالسلاح و إهدار كرامة الرجال أمام نسائهم
عبر ضربهم وشتمهم بأقذع الشتائم.
وفي اللقطة الموالية ينتقل بنا المخرج
إلى مشهد آخر تكشف فيه صورة الدركي في لحظة ضعف. خصوصا عندما يطلب منه
براد بيت أن يحضر له سيارة إسعاف على الفور، فيقول الدركي للمترجم أن
يشرح له بأن القرية لا تتوفر على سيارة إسعاف. وهنا يشتم براد بيت الدركي
بصوت مرتفع ولمرات متكررة قائلا:
-
فاك يو،فاك ي، فاكين كونتري...
وطبعا لا حاجة بي إلى ترجمة ما كان يقصده
بطل الفيلم بفاكين يو. بحث سريع في منجد لاروس سيكشف لنا عن فداحة هذه
الكلمة الموجهة إلى جهاز الدرك الملكي، الذي لم ينبس بكلمة واحدة اعتراضا
على هذه الشتائم الهابطة. بل كل ما فعله الدركي أنه خفض رأسه بإحساس عارم
بالذل. وهنا اختفت صورة الدركي القاسي القلب الذي يركل المواطنين البسطاء
لتحل محلها صورة الدركي الخنوع الذي يتلقى الشتائم من الآخر، الأمريكي
القوي.
وهنا تذكرت ذلك الخبر الذي قرأته الأسبوع
الماضي حول إحدى الأميرات الذي منعها إحدى حراس طوماس رايلي الأمريكيين
من دخول الغولف بالرباط، بدعوى أن السفير الأمريكي يوجد به، وعندما أفصحت
له الأميرة عن هويتها قال لها الحارس الأمريكي ذو القسمات الصلبة أنه لن
يسمح حتى لجورج بوش بالدخول لو جاء. فعادت الأميرة من حيث جاءت.
هذه الحادثة ولقطة شتم براد بيت للدركي
المغربي تطرحان أكثر من سؤال حول حدود سلطة الأمريكيين داخل المملكة
الشريفة.
لنرجع إلى الفيلم أحسن. في خلال هذه
الأثناء كان رجال الأمن والدرك يطاردون الطفلين ووالدهما الذين فروا من
القرية عندما بلغهم خبر بحث الجدارمية عنهم بسبب إطلاق النار على
النصرانية. والحقيقة أن المخرج أفلح كثيرا في وصف الشطط في استعمال
السلطة أكثر مما يستطيع أي صحافي أن يقوم بذلك حتى وان ظل يكتب عن
الموضوع طوال حياته. فعوض إلقاء القبض على الطفلين، قبل أن يسلم الطفل
الآخر نفسه وهو يتوسل إليهم أن ينقذوا أخاه، بدون جدوى. وتذكرت كل أولئك
المواطنين الأبرياء الذين قتلتهم شرطة كرواتيا في الشوارع بدم بارد.
كنت كمتفرج أنتظر موت السائحة المصابة،
فإذا بي أرى موت الطفل الذي أصابها.ليست هناك سيارة إسعاف من أجل الطفل،
لكن هناك طائرة مروحية تحمل رمز الصليب الأحمر جاءت خصيصا من وراء البحار
لتحمل السائحة الجريحة إلى مصحة بالدار البيضاء لتلقي العلاج.
قد تدخلت السفارة الأمريكية بالرباط و
تحركت الحكومة الأمريكية لإنقاذ مواطنة من مواطناتها توجد على بعد ألاف
الكيلومترات من بلادها. في الوقت الذي تتجاهل فيه حكومة المغرب كل أولئك
الآلاف من المواطنين المنسيين على أطراف المملكة.
ولم يكن المخرج متساهلا مع الثقافة
الغربية المبنية على الفردانية و الأنانية، وفي مقابل إظهاره لتعاطف رجال
القبيلة في الجنوب مع السائحة الجريحة وزوجها صور المخرج السياح الغربيين
كأشخاص أنانيين لا يفكرون سوى في برنامجهم السياحي الذي سيختل بسبب
انتظارهم إلى جانب الضحية. وهكذا سيفرون بالحافلة السياحية ويتركون براد
بيت بين يدي سكان القبيلة.
والحقيقة أن الفيلم أعاد الاعتبار للرجل
المغربي كشخص متشبث بعقيدته، خصوصا تلك اللقطة الذي ظهر فيها المترجم
المغربي وهو يصلي، وتلك اللقطة التي ظهرت فيها المرأة العجوز وهي تقرأ
المعوذتين على السائحة لتخفف عنها معاناتها في إخراج سينمائي بارع
للتسامح الديني في أبهى صوره. كما أظهر المخرج الشخصية المغربية في صورة
مشرفة عندما رفض المترجم أخذ تلك الحفنة من الدولارات التي أراد براد بيت
أن يعطيه إياها قبل أن يركب الطائرة المروحية مع زوجته. كمتفرج شعرت
بالفخر لأن هذه اللقطة ستجول عبر العالم قاطبة و سيرى الملايين من
المتفرجين نوعا آخر من المغاربة يصارع لكي يبقى على قيد الضمير في هذه
البلاد.
وتأسفت لأننا نفتقر لسينما من هذا النوع،
تعكس تسامح المغاربة الديني ونقاءهم و تشبثهم بعقيدتهم. و استغربت كيف أن
مخرجا أجنبيا يلتقط هذه القيم من مجتمعنا ليصنع به فيلما يرشحه لجوائز
أوسكار كثيرة، بينما بعض المخرجين المغاربة عندنا يتهافتون على تدمير هذه
القيم الإسلامية و السخرية من أركانها، كما فعلت ليلى المراكشي مع ركن
الصلاة عندما صورت بطلة الفيلم مرجانة العلوي تتحرك بالسليب أمام أخيها
وهو يصلي في فيلمها "ماروك".
على أمثال هؤلاء أن يشاهدوا بابل، لكي
يعرفوا معنى السينما الحقيقية.ما فيها باس إلى تعلموا الحرفة من ماليها...
أأأأأ