Flagpoles & Hardware

 

حياد - نزاهة - مصداقية

        minbar achaab .net 

الصفحة الرئيسية

الصحافة

نادي الكتاب

الصحراء

 

قانون الجنسية المعدل

 

 قناة الجالية

روابط مهمة

الأديب أحمد أبوعقيل

للإتصال

دار المغرب

حسن أبوعقيل

 

 
 

القنصلية

 
 

المزيد من الأخبار
 في جريدتكم المفضلة
 منبر الشعب

 
 


للكتابة والرد
 والتعليق

 



هل الممواطنين يثقون في قضاتهم؟

ظلت فكرة إعداد ملف حول استشراء الفساد في المؤسسة القضائية بالمغرب، ونحن بصدد تجميع المعلومات والقيام بالبحث والتقصي في الموضوع اعتبارا لحساسيته وحرصا منا على عدم السقوط في التعميم، اكتشفنا فضيحة قاضي مكناس وتداعياتها فأضحى لزاما علينا عدم السكوت لأن "الساكت على الحق شيطان أخرس".

إن ما كشفته هذه الفضيحة يؤكد، من جديد، إن كان لابد من التأكيد، أن هناك قضاة فاسدين يحكمون باسم الملك. وطبعا لا يمكن التعميم، فهناك قضاة نزيهون يشرفون المهنة وهم أهل لتحمل مسؤولية الحكم باسم الملك. وهذا يجرنا إلى التساؤل هل أغلب الأحكام التي ينطق بها القضاة باسم الملك، عادلة منصفة وغير جائرة؟ وهل أغلب قضاتنا، الذين يحكمون باسم الملك نزيهون مستقلون وغير فاسدين ومرتشين؟

بالأمس القريب ظهرت بشكل واضح ممارسات سلبية لجملة من القضاة من جراء التدخل السافر في مسلسله والضرب باستقلاليته، وها هي فضيحة قاضي مكناس تبين كيف يمكن للقاضي غير النزيه أن يستغل صفته وموقعه وسلطته ونفوذه لإعطاء انطلاقة، بتواطؤ مع بعض زملائه وتوابعه، لمسلسل من الظلم ذهبت ضحيته عائلة بكاملها، لازالت تعاني إلى حد الآن، وتتحرك بكل ما أوتيت من قوة لكشف الحقيقة، كل الحقيقة، كسبيل لإنصافها من أجل إعادة اعتبارها. فلا يختلف اثنان على أن قضاءنا في حاجة لإعادة تأكيد مصداقيته واستقلاليته والثقة به، ولن يتم ذلك إلا بالتصدي للفساد المستشري بمختلف آلياته ومكافحة العاملين على استمرار هذا الاستشراء.

وعموما، الاهتمام البالغ بقطاع العدل أضحى من بين الضرورات الملحة حاليا، باعتباره أساس الملك العادل؛ وهذا العدل هو ما ظل ينتظره المغاربة منذ الاستقلال، على امتداد نصف قرن من الزمن، لتنفجر فضيحة هنا أو هناك تؤكد من جديد أن هناك قضاة ألم بهم الفساد يكرسون تجلياته على مساحة وجود القضاء المغربي.

فهل قضاتنا الآن واعون حق الوعي أنهم يحكمون وينطقون فعلا باسم الملك؟ وهل آليات جهازنا القضائي تكرس بكل توكيد نزاهته واستقلاليته وإنصافه؟ وهل المغاربة يثقون بقضاء بلادهم؟ وهل القضاء المغربي قضاء كل المغاربة، أم قضاء البعض، يخدم مصالحهم ويرعاها على حساب الباقين؟

"باسم الملك يكرس الظلم وتهدر الحقوق"

لا يجادل أحد في كون القضاء ركن من أركان الدولة، إذا انهار انهارت معه هذه الأخيرة بلا شك. فالقضاء هو الساهر على فرض احترام القانون من طرف الجميع، دون تمييز بين الأشخاص مهما كانت مواقعهم. وهو الحامي للأفراد والجماعات من التعسف والشطط والظلم، وهو الذي يحد من التجاوزات، وبالتالي فإنه ذلك القطاع الذي يوفر المناخ السليم لنمو الاقتصاد والحافز على تشجيع الاستثمار. فأين القضاء المغربي من كل هذا؟

في السابق، كان المرء عندما يلج قاعة انعقاد الجلسات بالمحكمة، يلاحظ على الجدار تحت صورة الملك وراء القضاة الجالسين الآية الكريمة " وإن حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل"، غير أنه بعد فترة أزيلت تلك الآية، التي كانت مكتوبة بخط واضح في تلك القاعات، وكان فعلا تصرفا منطقيا على اعتبار أن القضاء المغربي ظل على الدوام موضع جدال، لاسيما بخصوص نزاهته واستقلاليته وعدالة أحكام ودرجة ثقة المواطنين به وبقراراته؛ طبعا لا يمكن للقضاء أن يحقق المكانة الجديرة به إن هو لم يحظ بثقة المتقاضين على وجه الخصوص. ومادام عدل ونزاهة قضائنا كانا على الدوام قاب قوسين أو أدنى، فمن العقلاني التخلي عن تلك السخرية، وكان من الرأي السديد التخلي عن عادة تعليق تلك الآية خلف القضاة، علما أن عدة قاعات كان جدارها يحمل هذه الآية كانت فضاءا للنطق بأحكام غير عادلة.

فكم من الأحكام كانت ظالمة؟ وكم من القرارات كانت جائرة؟ بالرغم من أنها صدرت جميعا باسم الملك؟ والمتتبع للأحكام الصادرة ونهج التعاطي مع القضايا وطرق الحسم في الملفات خارج الجلسات العلنية، في الكواليس أو ممرات المحاكم أو المكاتب وعبر الوسائط، يصل إلى قناعة لا يشوبها أي شك، أنه باسم الملك كرس ثلة من القضاة ووكلاء الملك الظلم وأهدروا الكثير من الحقوق في مختلف ربوع المملكة.

قطاع العدل يتصدر القطاعات التي يمسها الفساد والرشوة

شدد تقرير حول وضعية القضاء بالمغرب، على أن "القضاء المغربي ليس على ما يرام"، وأبرز التقرير الذي أعدته كل من الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة والمركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة على وجود أربع تحديات تطرح على القضاء المغربي وهي تحدي الاستقلالية وتحدي الأخلاق، وتحدي الفعالية، وتحدي العصرنة؛ وأوضح التقرير أن وضعية القضاء بالمغرب "من الأوضاع التي يكاد يجمع مختلف الفاعلين على اتسامها بطابع التردي والاختلال العميق".

وإذا كان تحدي الاستقلالية يجد مرتكزه في عدة مؤشرات منها استعمال القضاء في بعض الأحيان لتصفية "حسابات سياسية"، فإن التحدي الأخلاقي له عدة مظاهر، منها "أن التصنيفات المقدمة من خلال التحريات والاستطلاعات المنجزة محليا، تظهر أن قطاع العدل يحتل الصدارة ضمن القطاعات التي تمسها آفة الفساد والرشوة"، مضيفا "أن ما تعكسه أيضا تقارير المنظمات الحقوقية وسيل الشكايات التي يقدمها المواطنون، واعترافات المسؤولين أنفسهم في مناسبات متعددة، وتواصل اتخاذ سلسلة من الإجراءات الزجرية ضد بعض القضاة، لطمأنة الرأي العام، إلى أن إرادة الحكومة تتجه إلى وضع حد للفساد المستشري في المؤسسة القضائية"، إذ لا توجد في القانون المغربي مدونة للأخلاقيات القضائية، على غرار ما هو موجود مثلا بالنسبة لبعض المهن الأخرى كمهنة الطب.

ينضاف إلى ذلك كون القضاء في المغرب يعاني من غياب العصرنة وضعف الفعالية. في هذا السياق يؤكد التقرير "الطابع المنغلق الذي يتسم به التكوين الذي يتلقاه القضاة" ثم "وجود حواجز في تفعيل العديد من سياسات الإصلاح"، مستخلصا أن "الوضع الحالي للقضاء، غير قادر على رفع التحديات المذكورة".

بخصوص صلاحيات وزير العدل، يشير التقرير أنه "بالرغم من صراحة المقتضيات الدستورية، فقد تضمنت النصوص التشريعية والتنظيمية عدة مقتضيات قد تحد من الضمانات الدستورية لاستقلال القضاء. فقد منحت هذه النصوص عدة صلاحيات لوزير العدل، تتعلق بكل مجالات النظام الأساسي للقضاة؛ ابتداء من التعيين ومرورا بالترقية والنقل وانتهاء بالتأديب والعزل والتقاعد (...) ولعل الارتباط العضوي الرئاسي لقضاة النيابة العامة بمختلف المحاكم بوزير العدل، يشكل أهم مظهر للتبعية الإدارية والقانونية لهيئة النيابة العامة للوزير. ومن جهة أخرى يثير التنظيم القضائي، حسب التقرير، مفارقة جوهرية بخصوص فعالية المحاكم، خاصة المتخصصة منها. فإذا كانت المحاكم الابتدائية تغطي نسبيا الحاجة القضائية على المستوى الجغرافي، فإن محاكم الاستئناف لا تحقق نفس الغاية ويزداد الوضع صعوبة بالنسبة للمحاكم المتخصصة، إذ لا تغطي إطلاقا شساعة الخريطة القضائية ولا تقرب القضاء من المتقاضين.

ضحايا القضاء المغربي

رغم كثرة ضحايا القضاء عندنا، إلا أن المغرب لا يقر بمبدأ التعويض على الضرر في هذه الحالة، فيمكن للمرء أن يقضي مدة قد تطول أو تقصر رهن الاعتقال على ذمة التحقيق وقد تظهر براءته في الأخير، لكنه يتحمل كل الأضرار التي لحقت به، وهذا خلافا لما هو حاصل في بعض الدول التي تقر بتعويضات على الأضرار التي لحقت بالأضناء، بل هناك حالات كثيرة أدين أصحابها بأحكام قضائية عن أفعال، وتبين بعد مدة أنهم بريئون منها، فأطلق سراحهم وتركوا لحالهم. والأمثلة كثيرة ومتنوعة بخصوص حالات عانى فيها مواطنون أبرياء من القضاء سواء على مستوى الضابطة القضائية أو على مستوى النيابة العامة أو خلال مرحلة التحقيق أو على مستوى الحكم الصادر، كما اعتقل الكثيرون بإيعاز من السلطة وقضوا مدة قد تطول أو تقصر بالسجون لتتم إدانتهم في الدرجة الأولى، ثم يتم التقصي من جديد فتظهر براءتهم بعد أن نال من سمعتهم وسمعة عائلاتهم، بل إن الأمور تسوء في الغالب أكثر مما يمكن تصوره.

ظروف المحاكمة والتقاضي

إن معاينة الظروف التي تجري فيها المحاكمات في كل من محاكم المملكة والأجواء التي تدور فيها، كافية للشك والارتياب في الأحكام الصادرة. فكيف تكون الأحكام المنطوق بها عادلة ومنصفة والقاضي يواجه يوميا تراكم الملفات التي يتعين عليه دراستها والبث فيها وتشكيل قناعة بخصوصها وتحرير الأحكام بشأنها، علما أنه لا يتوفر على الوسائل اللازمة والشروط الكافية للبحث والدراسة. وبذلك فإن ظروف عمل القاضي - حتى ولو كان من الكفوئين النزيهين- لا تسمح له بإصدار أحكام في المستوى المطلوب، ولا تتيح له القيام بدوره كاملا حتى ولو أراد ذلك. كيف يصدر حكما عادلا ومنصفا ونزيها ولا تتوفر له الظروف المريحة، بل العادية لاستقصاء الحقيقة لتشكيل قناعته. فالعدل والإنصاف يستوجبان التريث وعدم التسرع للحسم في الملفات، لا سيما تلك المتعلقة بحرية وحقوق الأشخاص. إن المتتبع للمحاكمات والأحكام الصادرة ولظروف عمل القضاة، يقف على مشاهد مثيرة على أكثر من مستوى وفي مختلف مراحل التقاضي، سواء في مرحلة التحقيق أو خلال الجلسات، وحرمان الأضناء وكذلك محاميهم من الوقت الكافي للدفاع وتوضيح الأمور، كما أن لغضب القضاة في القاعة أحيانا أثر سلبي في إصدار الأحكام، مع أنه لا يحق للقاضي أن يحكم وهو في حالة غضب، وهلم جرا من المآسي التي تقع في قاعات المحاكم.

إن مجرد معاينة الظروف التي تجري فيها المحاكمات بالمغرب، تولد الشك والارتياب في نفوس المواطنين بخصوص مصداقية وعدل وإنصاف الأحكام الصادرة، ناهيك عن تأثير تفشي الرشوة والفساد في جسم قضاء بلادنا.

استقلال القضاء

لكي يقوم القاضي فعلا بالدور المنتظر منه، فإن على المجتمع أن يوفر له شروط الاستقلال لأداء مهمته على أحسن وجه وفي أحسن الظروف؛ واستقلال القضاء يعني أولا حرية القاضي في إصدار الأحكام دون تدخل أو تأثير، وهذه الاستقلالية لا يجب أن تقتصر على السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما عليها أن لا تخضع لسلطة الرأي العام وسلطة الإعلام وسلطة المال وسلطة الموقع والنفوذ وحشر بعض القائمين على الأمور أنوفهم في بعض الملفات الحساسة. واستقلال القضاء يتطلب كذلك أن يكون القضاء سلطة (وهو غير ذلك إلى حد الآن أراد من أراد وكره من كره)، وأن تكون هذه السلطة القضائية قائمة الذات وعلى قدم المساواة أمام السلطتين المذكورتين. كما يتطلب استقلال القضاء من الإدارة التي تتولى وشؤونه أن تكون مكونة من القضاة وليس مجرد مرفق تابع لأية جهة، فالتبعية مهما كانت طبيعتها تنفي الاستقلال.

كما أنه لا استقلالية للقضاء، دون حرية القضاة في التعبير عن مواقفهم وآرائهم، سواء بخصوص القرارات التي يصدرونها أو بخصوص القوانين التي تؤطر شؤونهم. واستقلال القضاء لا زال يعتبر مطلب الجميع في انتظار واجب التحقيق؛ فإذا كان على مستوى الخطاب أن القضاء المغربي لا يمكنه تأدية رسالته في إقرار سيادة القانون وإقامة العدل وترسيخ دولة المؤسسات، إلا بإحكام استقلاله ونزاهته من خلال عدم تدخل السلطة التنفيذية في اختصاصه وعدم توجيه أو تعطيل مساره، فإنه على أرض الواقع المعيش غير ذلك. إذ أن القضاء مازال لم يرق بعد لتشكيل سلطة ثالثة، اعتبارا للوصاية المعلنة أحيانا والمستترة تارة أخرى، والتي ما زالت تجعله قاصرا ليرسخ استقلاله كاملا غير منقوص؛ فحتى الدساتير المغربية لم تنص، ولو شكليا على أن القضاء سلطة على نفس الدرجة من السلطتين التشريعية والتنفيذية. وبذلك كان من السهل بمكان أن يستعمل الجهاز القضائي كآلية قمع، وليس كسلطة تتوخى اعتماد العدل والإنصاف خصوصا في سنوات الجمر والرصاص.

لقد نص الدستور المغربي على مجموعة من المقتضيات المرتبطة بتحقيق النزاهة والاستقلالية لكنها ظلت مجرد عبارات جاءت في ديباجة لما يعتبر أسمى قانون. على أرض الواقع الفعلي ظل القضاء بعيدا عن تحقيق الغايات المتوخاة منه في إقامة العدل النزيه الضامن لحقوق المواطنين، وبعيدا عن ضمان قوته ومناعته وترسيخ قناعته. وفي هذا الصدد لا زال الكثير من العارفين بحقائق الأمور، يقرون بسيادة الخوف في صفوف القضاة المغاربة.

بالرجوع إلى نص الدستور نلاحظ التنصيص على أن القضاء مستقل عن الجهاز التشريعي والتنفيذي. لكن عندما نمحص الأمر على أرض الواقع، نعاين أن المجلس الأعلى للقضاء يترأسه الملك، وفي حالة عدم حضور الملك يترأسه وزير العدل. بذلك تكون السلطة التنفيذية هي التي تترأس الجهاز الذي أنيطت به مسؤولية الحرص على استقلالية القضاء وضمانتها. هذا علاوة على صلاحيات الوزير في مجال التحكم في مشوار القضاة الوظيفي، وهو وضع ينال من مبدأ استقلال القضاء. وفي نظر جمعية "ترانسبرانسي"، لا زال القضاء المغربي غير مستقل في الواقع رغم حديث الدستور عن استقلال هذا القطاع الحيوي الحساس. فكيف للقضاء أن يكون مستقلا وليس له ميزانية مستقلة، حيث أن ميزانيته جزء من ميزانية وزارة العدل؟ كما أن القضاة المغاربة هم موظفون تابعون لوزارة العدل يرتبطون بها ارتباطا تسلسليا وعضويا، والقضاء المغربي لا زال يشكو من غياب قانون خاص بالأخلاقيات القضائية. ولازالت التعليمات تفعل فعلها في قضائنا، وهذا أمر قائم لا يمكن إخفاؤه، كما أن هناك بعض القضاة الذين لا تصلهم تعليمات واضحة، وإنما مجرد إشارات يؤولونها ويفهمونها بشكل يؤدي بهم إلى الانحياز إلى الجهة الصادرة عنها.

ومن الأمور التي تبين عدم استقلال القضاء المغربي، كون قضاة النيابة العامة يخضعون للتعليمات، أما قضاة التحقيق فلا يتوفرون على أدنى استقلالية بقوة النصوص الجاري بها العمل. كما أن تعيينهم وإعفاءهم يتم بقرار من وزير العدل، بدل المجلس الأعلى للقضاء. بل أكثر من هذا فإن النيابة العامة هي التي تعين من يحقق في كل قضية، فكيف للقضاء المغربي أن يكون مستقلا وقضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق مُتَحَكّم فيهم وغير مستقلين؟ إذ في نهاية المطاف يعملون كآلة لتنفيذ التعليمات، وهو ما يمكن ملاحظته في الكثير من القضايا.

ومهما يكن من أمر، وبالرغم من ظروف العمل غير المناسبة وقلة الإمكانات وتراكم الملفات، وبالرغم من تدخل جهات وصدور تعليمات مباشرة وغير مباشرة، وبالرغم من الضغوطات، هناك بعض القضاة، وهم قلة، حاولوا أن يظلوا نزهاء ومستقلين نسبيا، وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أن استقلال القضاء يظل مرتبطا أولا بالضمير وبالقناعة الذاتية للقاضي. وفي انتظار تحقيق استقلال القضاء، سيظل القضاة خاضعين لرحمة السلطة التنفيذية، وأقصى ما يمكن أن يقوموا به هو محاولة تصريف مشاكلهم بطريقة سلمية والبحث عن حلول هامشية، وهذا أمر أقره بعضهم.

نزاهة القضاء المغربي والثقة به

هناك جملة من الأصوات من مختلف الأوساط، بما فيها أوساط القضاة والمحامين، تشكك بوضوح في نزاهة قضائنا، إذ أعلنت عن عدم ثقتها بجملة من القضاة، مما يستوجب طرح السؤال:هل يمكن شراء الأحكام في المغرب؟ سؤال أجاب عنه المغاربة بدون تردد انطلاقا من معاينتهم للواقع المعيش؛ فالكل يعلم أن الرشوة والفساد متفشيان في جسم القضاء المغربي بدءا بالمرافق الإدارية والقضائية، بما في ذلك الشرطة القضائية وغيرها من المحطات وصولا إلى القضاء الجالس، حيث أضحى الفساد عموما ظاهرة جوهرية ومركزية في أزمة القضاء المغربي، أراد من أراد وكره من كره.

كيف يمكن ترسيخ نزاهة القضاء المغربي وإعادة الثقة به، والبلاد لا تزال تشكو من غياب تعميم الأخلاق المهنية، وأجواء الوضوح والشفافية، بدءا بقواعد التعامل والمسؤوليات ومتابعة تناسق القوانين وملاءمتها للمحيط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي؟

إن ثقة المواطنين بالقضاء لا يمكنها أن تتحقق إلا من خلال برهنة القضاة أنفسهم على تجردهم ونزاهتهم واستقامتهم واستقلالهم عن أي تدخل أو تأثير وتعاليهم عن الرشوة وبيع الذمم. وحين يفقد المواطن ثقته بالعدالة يتعرض جهاز الدولة كما تتعرض آليات النظام، لمختلف الأهوال والأخطار. وفي هذا الصدد قيل يوما لونستون تشيرشيل، رئيس وزراء بريطانيا، بأن الفساد ضرب أطنابه في أجهزة الحكومة والإدارة البريطانية، فسأل: وكيف حال القضاء عندنا؟ فقيل له: القضاء البريطاني ممتاز جدا، فقال: إذن لا خوف على بريطانيا. وفعلا فلا خوف على بلاد بها قضاء نزيه ومستقل. فهل يعني هذا أن نتخوف نحن المغاربة اعتبارا للحالة التي وصل إليها القضاء عندنا؟

إن القضاء لا يمكنه أن يحقق المكانة الجديرة به، إن هو لم يحظ بثقة المواطنين عامة وثقة المتقاضين خاصة. وثقة هؤلاء وأولئك لن تتحقق إلا من خلال برهنة القضاة أنفسهم على استقامتهم ونزاهتهم. ومن أجل معرفة الرأي السائد بين المتقاضين، حاولنا استقصاء بعض الآراء بجملة من المحاكم سواء الابتدائية أو محاكم الاستئناف، وقد قادتنا المغامرة إلى مساءلة متقاضين بمحاكم الدار البيضاء والرباط والقنيطرة ومراكش وفاس ومكناس وسلا وطنجة وتطوان وسيدي سليمان وسوق الأربعاء الغرب، وكان السؤال الإشكالية : هل تثق بالقاضي الذي يشرف على قضيتك؟ وكانت الحصيلة أن أكثر من 82 بالمائة من الأجوبة تفيد أن الحسم في الملفات يتم خارج الجلسات وعبر وسائط، وأن الأحكام تباع لمن يدفع أكثر، كما أن أكثر من 73 في المائة من المستجوبين أكدوا أن فحوى ما يدور بالجلسات العلنية، غير مقنع ولا يشجع على الإقرار بالثقة في القضاء المغربي. في حين أكد ما يناهز 60 في المائة أن المرء يشعر بالخوف أمام القاضي، لأنه يرهبه ويقمعه ولا يوفر له الفرصة للدفاع عن نفسه، ومهما قال فلن يغير في الأمر شيئا. "المغرق" (النيابة العامة) هو صاحب كلمة الفصل، فمهما تكلم المحامي ودافع وتدخل، تبقى كلمة "المغرق" هي العليا على الدوام، وهذا أمر كاد أن يجمع عليه المستجوبون.

تلك بعض آراء المتقاضين، بخصوص ثقتهم بالقضاء، وقد لا تعكس كل الحقيقة، لكنها تسير على درب اعتقاد العموم السائد في صفوف أغلبية المغاربة.

القضاء والرشوة

لا جدال حول وجوب تمكين القاضي من جميع الإمكانات التي تصون كرامته، لكن لا جدال كذلك في كون أن داء الرشوة متفشي بشكل مهول في الجسم القضائي ومدى الابتذال الذي وصلت إليه. فالقاضي يسهر على تطبيق القانون وتفعيله. وهو إنسان يعيش في بيئة سياسية اجتماعية وثقافية واقتصادية معينة، وفي مجتمع لازال فيه نفوذ السلطة والثروة يفعل فعله في مختلف المجالات، ومن ضمنها القضاء. وبالرغم أنه لا يمكن التعميم، إلا أن القاضي بالمغرب، كموظف، مازال مرتبطا في ذهن أغلب المغاربة بالرشوة، وظل سائدا أن "التدويرة" هي سيدة الموقف في مراحل المحاكمة وصولا إلى إصدار الحكم؛ وهذا أمر جرى به العمل على أكثر من مستوى حسب القضايا المعروضة والحالات، إلى درجة أن هناك جملة من الأشخاص، رغم أن الحق، كل الحق معهم، أكرهوا على أداء رشاوي حتى لا يضيع حقهم، وهذا أمر أخطر من حالة أداء الرشوة للتخفيف من العقاب أو الإفلات منه.

وعموما فإن تفشي الرشوة في مختلف ميادين القضاء بلغ درجة مخيفة، أضحت معها الرشوة ممارسة معروفة ومعمول بها، بل لغة يومية للتواصل في رحاب المحاكم المغربية. ومن السهل بمكان الوقوف على ظاهرة رشوة القضاة إن حضرت الإرادة والرغبة في ذلك. فقد يكفي تتبع مسار حياتهم وتقييم ثرواتهم، على اعتبار أن لا حق لهم في ممارسة أي نشاط بأجر أو بدونه (باستثناء التعليم لكن برخصة وبعلم الإدارة). كما أنه إذا كان زوج القاضي يمارس نشاطا خاصا بمقابل، وجب عليه التصريح بما تملكه الزوجة والأبناء القاصرين والإعلام بكل جديد ومستجد بخصوص وضعيته المالية. لكن مع الأسف ظلت هذه الإجراءات، حبرا على ورق لم يسبق تفعيلها إلا في حالات نادرة جدا على الرغم من العلم بأمر الثروات الهائلة والثراء الفاحش لبعض القضاة، الذين لم يكونوا يملكون شيئا قبل مزاولة هذه المهنة، وأصبحوا بين عشية وضحاها من أصحاب الضيعات والعمارات والعقارات والحسابات البنكية الممتلئة حد التخمة.

وما دامت الرشوة تنخر جسم جهازنا القضائي، فلا يمكن أن يكون محط ثقة المواطنين، ولا يمكن أن يكون نزيها ومستقلا وذي مصداقية حتى ولو كانت بعض أحكامه عادلة ومنصفة. لأن سيادة الرشوة تعني شيئا واحدا لا ثاني له، الحكم دائما لصالح من له القدرة على منح المزيد من المال، علما، وهذا أمر لا داعي لبرهنته، أن البلاد تتوفر على قضاة نزيهين يشهد لهم الجميع بالاستقامة والنزاهة.

ففي سنة 2001 كان 62 بالمائة من المغاربة يقرون بأن الرشوة عملية عادية في القضاء المغربي، أما في سنة 2003 فقد قفزت هذه النسبة إلى 73 بالمائة، وقاربت 80 بالمائة سنة 2005.

وكما أن هناك قضاة مرتشون، فهناك محامون يلعبون دورا كبيرا في تعميم آفة الرشوة وترسيخها، بل أكثر من ذلك إن منهم من دأب على نقل هذه العدوى إلى بعض القضاة، الذين بدأوا عملهم بنزاهة. ويعتقد الكثي&